الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

الهندي الذي يسابق أشعة الشمس



بعضهم لا يكتفي بالاستيقاظ مبكراً للحاق بأعمالهم، إذ تضطر الظروف هؤلاء الممتحَنين بصعوبات الحياة واختباراتها الخاصة، إلى ما هو أكثر من ذلك وأشق، فيصبح الاستيقاظ من النوم مبكراً وحده للذهاب إلى العمل لا يكفي، ويجد هؤلاء أنفسهم في سباق مع الوقت، مع حركة الكون، مع الشمس التي لا ينبغي أن تنتشر أشعتها على الأرض إلا وقد انتهوا من أداء أعمالهم.

أحد هؤلاء العدائين الذين قطعوا مضامير القصص الإنسانية الرائعة والنادرة الحدوث في آن (شيفا كومار)، فما كاد يرن جرس الساعة في الرابعة فجراً حتى يستيقظ هذا الطفل الهندي الذي كان يعمل موزعاً للصحف ليسابق أشعة الشمس قبل وصولها لمنازل المشتركين، لتسليم النسخ اليومية، حيث كان يستيقظ قبلها على صراخ الديانة الذين يصرخون في وجه والده الذي كان يعمل سائقاً لشاحنة نقل ولا يكفي معاشه لسد احتياجات الأسرة وتسديد الديون معاً، أما والدته فكانت امرأةٌ أمية تبيع الأكاليل على الطريق، وتحضر له الزهور لبيعها بعد عودته من المدرسة، وهو في التاسعة من عمره، ولكن بيع الزهور آثر على تحصيله العلمي ولم يوفر له المبالغ التي تساعد والديه، فقرر أن يعمل فجراً من الرابعة صباحاً حتى السادسة في توزيع الصحف لكي يستطيع أن يدرس مساءً.

كان حلم كومار أن يقوم بسداد الديون ومن ثمّ تغيير حياته وأسرته مستقبلاً، فاستمر يعمل ويدرس إلى أن اصطدم في يوم بقرار مديرة المدرسة التي هددته بالطرد إن لم يدفع والداه أقساط المدرسة، فاضطر إلى أن يطلب من أحد عملائه من مشتركي الصحف أن يقرضه مالاً لسداد قسط واحد فقط، فتعجب الرجل وسأله، كيف أقرضك مالاً وأنا لا أعرفك جيداً، دعني أسأل عنك أولاً. فتفاجأ الرجل بأن الصبي يقوم بسداد ديون والديه، وما زال يكمل تعليمه. يقول كومار: "أنا مدينٌ لهذا الرجل بكل شيء في حياتي، فهو لم يقرضني المال فحسب بل قام بييع جزء من مجوهرات زوجته ليساعدني على سداد أقساط العام الدراسي بالكامل، واستمر يدفع نيابة عني أقساط تعليمي".

في السادسة عشرة من عمره أسس كومار وكالة لتوزيع الصحف وبيعها، واستقطب من منطقته الفقيره جداً أربعة أطفال ليعملوا معه بشرط أن يلتزموا بتوقيت العمل المبكر جداً وأن يستمروا في تعليمهم، وبدأت تتضاعف النسخ التي يحصل عليها من المؤسسات الصحافية، وتضاعف عدد الأطفال الذين يعملون معه وتفرغ لتدريبهم وتعليمهم والركض معهم، إلى درجة أنه قام بإلغاء وجبة الفطور من حياته لكسب الوقت في العمل ومتابعة (عمل، وتعليم) الأطفال.

قدما كومار اللتان ركضتا لسنواتٍ طويلة في شوارع بانغلور لإيصال الصحف، هما نفسهما اللتان قادتاه لأروقة إحدى أعرق الجامعات الهندية في الإدارة في مدينة كالكوتا بين أبناء النخبة كطالب في الدراسات العليا (تخصص تمويل)، وذلك بعد أن درس الهندسة في أحد أهم الكليات التقنية في بانغلور BIT. يقول عنه رئيس الجامعة السيد سوبير: "إن تفوق كومار دفعنا بفخر لتقديم منحة تعليمية له ليلتحق بأحد أهم برنامج الدراسات العليا في الهند، ووجود هذا الشاب المكافح الذي تخلى عن متع الحياة كافة من أجل والديه ومستقبله يدعونا للفخر، ووجوده بيننا هو إضافة لنا ولطلابنا".

لدى كومار اليوم، مئاتُ من الأطفال الفقراء الذين يخترقون الشوارع كأشعة الشمس لكي يقوموا بتوزيع الصحف؛ حتى يساعدهم على أن يستمروا في الدراسة كما حصل معه، وتضج الصحف الهندية والقنوات الفضائية بقصته التي يفخر بها، ثم يمارس ضغوطاً سياسية على الحكومة من أجل خفض الرسوم التعليمية حتى يتمكن الفقراء من التعلم. يقول كومار: "قبل ظهوري الإعلامي لم يكن لي أصدقاء ولم يعرف أحد من زملائي في الجامعة من أنا وكيف بدأت، أما اليوم فأنا لست خجولاً من الماضي أو من أين بدأت، وأطمح إلى إنشاء مؤسسة خيرية لمساعدة الأطفال المحرومين من التعليم وهو أقل ما يمكن أن أقدمه وفاءً للرجل الذي ساعدني على إكمال دراستي حينما قام بسداد أقساط تعليمي".

إذا كان هذا ما وصل إليه كومار اليوم، الذي أنشأ وكالته الخاصة التي تعد من أهم وكالات توزيع الصحف في الهند وهو ما زال يدرس في أعرق الجامعات الهندية، فلكم أن تتخيلوا ما الذي يمكن أن يصل له بعد خمس سنوات؟. إن كان في العمر بقية، فلعلي أعود لأروي باقي قصته بعد خمس سنوات.

من الممكن أن أستيقظ في التاسعة صباحا وأكون مستريحا
أو أن أستيقظ في السادسة صباحا وأكون رئيسا لأمريكا

" جيمي كارتر "

الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

الطفل الذي أقنع ثامن مليارديرات العالم بمراسلته

نقلاً عن (العربية.نت)

في حي ويملبدون بلندن يعيش الفتى الإنجليزي "نيكولاس الويسيو" المهووس منذ طفولته بالكمبيوتر، والذي ولد لأبوين أستراليين مغتربين في (1 نوفمبر 1995). بدأ نيكولاس قصة نجاحه منذ أن كان في العاشرة من عمره حينما أطلقت شركة آبل تطبيقات منصة الآيفون iPhone للهواتف المحمولة، حين زار أحد متاجر آبل وظل يسأل جميع الموظفين عن كيفية تعلم برمجة تطبيق خاص به، وللأسف كانت إجابة كل العاملين له: " لا نعلم ".

تقول والدته: " نيكولاس طفل فضولي للغاية، ويحب أن يتعرف على الأشياء بنفسه، ولكنني لم أكن أتوقع أنه سيكون شيئاً خارجاً عن المألوف، ولكن على الرغم من إنجازاته الرائعة، ما زال كبقية الأولاد يخرج مع أصدقائه في عطلة الأسبوع ويحتفل معهم في مناسباتهم ".

نيكولاس وهو في الثالثة عشر من عمره

لم ييأس نيكولاس من عدم مساعدة موظفي آبل له كونهم لا يعرفون كيف يمكنه تعلم برمجة تطبيق، وبدأ يعلم نفسه من خلال مقاطع (يوتيوب)، إلى أن برمج تطبيقه الأول في صيف 2008 ويقول نيكولاس ضاحكاً: (قمت ببرمجة تطبيقي الأول وهو جمع خطابات وأحاديث الرجل الذي أعشقه ستيف جوبز الرئيس التنفيذي لشركة آبل، وحينما قمت بمراسلة آبل لوضع التطبيق ضمن تطبيقات الآيفون، تم رفض التطبيق لأنني لا أملك حقوق نشر المقاطع الصوتيه للسيد ستيف جوبز، حيث كنت أشبه بمن يسرق شخص ويذهب له طلبا في المساعده.. ثم قمت بتطوير تطبيق آخر يتيح للمستخدمين لمس الصور على شاشة الهاتف فتصدر أصواتا تتناسب مع الصور ولم يحقق نجاحا يذكر).

ثم أطلق نيكولاس مشروعه ترايمت  ( Trimit ) الذي كان انطلاقةً له إلى عالم الثراء والأضواء، حيث ربح في يومه الأول بعد اطلاقه مبلغاً مذهلاً بالنسبة له وهو 79 جنية إسترليني ولكن بنهاية عامه الأول (نوفمبر 2012) كان عدد من قاموا بتحميل التطبيق أكثر 750 ألف مستخدم وعدد القراءات التي تمت عبر التطبيق تجاوز 75 مليون مرة. وتقوم فكرة تطبيق ترايمت الذي أطلقه نيكولاس من غرفة نومه، على منح المستخدمين سهولة في مشاركة المحتويات المطولة من محركات البحث واختصارها بحيث يتم تبادلها عبر رسائل البريد الالكتروني والرسائل النصية القصيرة وتويتر وفيسبوك في صيغة TXT. يقول نيكولاس: (كنت أبحث عن معلومات في جوجل وبعض محركات البحث الأخرى أثناء كتابة موضوع في مادة التاريخ، على الرغم من أنني وجدت كل المعلومات التي بحثت عنها إلا أنني واجهت صعوبة بالغة في تلخيص هذا الكم الهائل من المعلومات لإختصار الوقت، فبدأت تدور في رأسي فكرة المشروع).

نيكولاس في غرفة نومه حينما قام بتصميم تطبيق ترايمت

بدأ التطبيق يجذب أنظار أصحاب النفوذ في وادي السيليكون والمستثمرين والمشاهير، ولكن اهتمام المجموعة الإستثمارية التي يملكها "لي كاشينج" كان سريعاً جداً، حيث قاموا بمراسلته عبر الإيميل لعقد اجتماع مباشر مع مالك المشروع، وهم لا يعلمون أن خلف هذا المشروع ولد يعمل من غرفة نومه، واستمر السر محيراً لشركة الملياردير عن هوية صاحب المشروع الذي لم يرد على ثامن أغنى رجل في العالم، والسبب الحقيقي هو أن نيكولاس لا يعلم ماذا يفعل في مثل هذه المواقف لصغر سنه خصوصاً أن من يرغب بالتواصل معه "ملياردير من هونج كونج"، وبعد إلحاح وعدة مراسلات تحدث نيكولاس مع والديه وتجاوبا مع الشركة فذهبا بنيكولاس للإجتماع بالشركة في مقرهم بلندن.

في طريقهم للإجتماع كان ما يدور في رأس نيكولاس طريفاً للغاية، يقول نيكولاس: (كنت متجها مع والداي وأنا استمع لهما أن الملياردير يرغب بشراء المشروع أو الشراكة فيه، وكل ما كان يدور في رأسي هو أن الصفقة لو تمت سأحصل على مبلغ يمكنني من شراء كمبيوتر جديد بحد أقصى).. وانتهى الاجتماع مع الويسيو ووالديه بتلقي تمويلا استثماريا بقيمة 300 ألف دولار (أي ما يعادل 1,125,000 ريال سعودي) لتطوير المشروع وإطلاقه بشكل مختلف.

السيد (لي كاشينج) ثامن أغنى رجل في العالم.. وفي المقابل نيكولاس حينما أطلق مشروعه سوملي

عمل نيكولاس بعدها على تطوير مشروعه الذي أصبح يطلق عليه سوملي Summly والتي تعني الملخص (Summarization)، وتقوم فكرته على سرعة توفير ملخصات للقصص الإخبارية، أو في أي مجال آخر من مئات المصادر الموثوق بها في مكان واحد وبشكل مختصر، هذا التطبيق الرائع دفع شركة ياهوو Yahoo العالمية إلى تقديم أعلى عرض سعر من أجل الظفر بالتطبيق وشرائه ليكون ضمن باقة تطبيقات ياهوو مقابل 30 مليون دولار أمريكي (أي ما يعادل 112,500,000 مليون ريال سعودي) ولأن شركة ياهوو تقوم بجمع الخبرات من حولها ومن لديهم شغف في عالم التقنية والبرمحيات، قدمت لنيكولاس أيضاً عرضاً للإنضمام إلى شركتهم، التي بدأ فعليا العمل بها من مقر شركة ياهوو في لندن حيث لم ينهي دراسته بعد.
                       
نيكولاس ليس ولداً خارقاً للعادة حتى يكون ضمن قائمة أكثر 1000 شخصية مؤثرة في لندن، أو قائمة 30/30 التي تصدرها مجلة فوربس عن أنجح 30 شخصية تحت عمر 30 عاماً، أو جائزة (الإلهام البريطاني) لرواد الأعمال، أو جائزة (روح لندن)، أو أن تكتب عنه أعرق الصحف العالمية وتقابله أشهر القنوات والإذاعات العالمية. هو ولد عادي جداً ولكن كان يطمح لأن يكون ناجحاً في مجال التطبيقات الهاتفية.

في الوقت الراهن، يبلغ نيكولاس الثامنة عشرة من عمره، ويدرس في جامعة "كينجز كوليدج" في التخصص الذي يحبه "التصميم والتكنولوجيا"، حيث حصل على منحة دراسية أكاديمية نظراً لقدراته التي ظهرت مبكراً، وهو منشغل بين الدراسة والعمل في شركة ياهوو، ولم يتفرغ لصرف أمواله بعد، ويقول حول ذلك: (أنا أصغر من أن أقدر قيمة هذا المال كله، وليس لديّ أي قروض أو ديون لأنشغل بسدادها وتبديد هذه الأموال على الترفيه أو الإستلقاء على وبالنسبة لي مئاتٌ من الجنيهات تعتبر كثيرةً جداً على احتياجاتي).

نيكولاس الذي لايزال يطمح لإنجاز الكثير في حياته، حيث يرى أنه في أول الطريق



إن الطريقة الوحيدة لإنجاز أعمال عظيمة هي أن تحب ما تعمل
وإذا لم تجد ما تحبه، فاستمر في البحث عنه
(ستيف جوبز)

الأحد، 15 ديسمبر، 2013

حفيد الإمام البخاري الذي أبهر إمبراطور اليابان



العم عبد الستار مولوي

في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن مؤسس الدولة السعودية الثالثة (أكتوبر1953) هاجر "عبد الستار مولوي" إلى المملكة العربية السعودية، وهي الفترة نفسها التي أصدر فيها الملك المؤسس أمراً بتعيين ابنه سعود رئيسا لمجلس الوزراء بعد أن عانى وعكة صحية.

ومولوي في اللغة العربية تعني الرجل الزاهد، وفي بلاده تركستان تطلق حصراً على حفظة كتاب الله. لم تكن هجرة عبدالستار إلى أرض الحرمين صدفةً؛ إذ سبق له زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة مراتٍ عدة؛ فهو أحد مترجمي قوافل الحجاج التركستانيين في مواسم الحج، ولكن بعد الثورة البلشفية في روسيا بقيادة (لينين وستالين) عام 1917، والثورة الشيوعية الصينية بمساعدة البريطانيين بقيادة (ماو تسي تونج) أصبحت تركستان الغربية والشرقية بين دبابات وصواريخ الحكم الشيوعي الذي سحق المسلمين في إمارات بخارى، وخيوة، وخوقند وباقي مناطق أحفاد الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري صاحب كتاب (صحيح البخاري) الذي ولد ومات في تركستان.

استقر عبدالستار في مدينة الطائف التي ترتفع عن سطح الأرض قرابة (2000 متر) فوق جبال السروات؛ نظراً لطقسها البارد المناسب للمسلمين المهاجرين من شرق آسيا، وتزوج من ابنة خالته (آمنة) التي هاجرت أسرتها أيضا إلى السعودية، وسكنا (حي البخارية) الذي تقطنه أغلبية من الفلاحين التركستانيين، أو شعب الأويغور (البخارية) مثل: البخاري، وطاشكندي، ومرغلاني، الخاشقجي، والكشغري، والقشقري، والسمرقندي، وغيرهم ممن فروا بدينهم من الاستعمار الصيني لبلادهم.

حصل عبدالستار على (التابعية) السعودية، وهي الوثيقة التي تمنحه حق الاستقرار في السعودية، وبعد أن أنجبت زوجته ابنه البكر عبدالعزيز، انتقل مع أسرته إلى محافظة جدة؛ لرغبته في أن يحظى أبناؤه بتعليم أفضل؛ ولكي يمارس نشاطاه التجاري (صناعة الأحذية الجلدية)، وحينما افتتح محلاً لبيع الأحذية وإصلاحها، في سوق البدو (جنوب جدة)، التحق ابنه عبدالعزيز بمدارس الفلاح الشهيرة، وفي الوقت نفسه كان يساعد والده في المحل مساءً.

تتلمذ عبدالعزيز على يد والده الذي رباه على حسن المعاملة وخدمة الناس عن طيب خاطر، وتفهم اختلاف الثقافات فأصبح شخصية اجتماعية ودوداً في حيه ومدرسته، حتى أصبحت المدرسة توكل له إدارة النشاطات التي تتطلب جهداً تنظيمياً وقدرةً على التواصل مع الآخرين. ثم جاهد عبدالعزيز في تعليمه إلى أن تخرج في المرحلة الثانوية، وحاول بكل السبل أن يجد من يتوسط له للالتحاق بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة؛ كونه لم يحصل على الجنسية السعودية بعد، وشاءت إرادة الله أن تكفل الدكتور عبدالله نصيف أحد أعيان محافظة جدة بأن يتوسط له في الجامعة ليتم قبول ابن المهاجر التركماني، الذي درس العلاقات العامة والإعلان وتخرج متفوقاً في الجامعة عام 1979.

عبد العزيز بن عبد الستار

ثم التقى بعد تخرجه بالسيد إبراهيم أفندي، وهو أيضاً من أعيان محافظة جدة، فنصحه بأن يكمل تعليمه العالي في اليابان التي لم تكن خياراً للسعوديين في ذلك الوقت، فحينها كانت أمريكا وأوروبا وجهة الطلبة السعوديين. ولأن عبدالعزيز الذي كان يطلق عليه بين الأطفال في جدة (الطفل الياباني) نظراً لملامحه الشرق آسيوية، لم يستنكر نصيحة السيد الأفندي وقرر أن يكون أول طالب سعودي يحصل على شهادة أكاديمية في الدراسات العليا من اليابان ومن أوائل العرب الذين يتقنون اللغة اليابانية، استقطع والده من قوت أبنائه ليساعد عبدالعزيز في إكمال مشواره التعليمي، وأنفق عليه الغالي والنفيس إلى أن غادر إلى طوكيو والتحق بجامعة (واسيدا) وتخصص في التسويق والإعلان، وحصل على مرتبة الشرف فيها عام 1984، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة (سيجو) وعاد مرفوع الرأس ولم يخيب ظن والده فيه عام 1988.

حينما حصل عبدالعزيز على درجتي الماجستير والدكتوراه كان مليئاً بالحماس والحيوية لإيصال رسالة مشرفة عن البلد الذي احتضنه ونشأ فيه، والذي أشعره دائماً بأنه من ضمن النسيج الاجتماعي المليء بالثقافات والأعراق في بلد الحرمين التي تحتضن المسلمين بكل ألوانهم، فكان خياراً مناسباً لتولي مسؤولية المعهد العربي الإسلامي في اليابان وهو مازال طالبا عام 1984.

ثم عاد ليُصدم بأن شهادته غير معترف بها، كون الجامعة التي تخرج فيها غير مدرجة في قوائم الجامعات التي تتعاون معها وزارة التعليم العالي السعودي، فتلاشى حلم العمل الأكاديمي واضطر إلى أن يعمل في شركة (تويوتا) مديراً للتسويق عام1992، وحظي حينها بإعجاب الكثيرين ومن ضمنهم مالك شركة تويوتا الأم في اليابان (السيد تويودا) الذي زار السعودية وأعجب بوجود شاب سعودي يتحدث اليابانية بطلاقة. واستمر يعمل في الشركة إلى أن توفيّ وكيل شركة تويوتا في السعودية السيد (عبد اللطيف جميل) بعد أن حصل على أرفع الجوائز التي تقدمها شركة تويوتا لعامليها على مستوى العالم، ثم انتقل بعدها إلى الشركة السعودية للأبحاث والنشر (ناشر صحيفة الشرق الأوسط) مديراً عاماً لتنمية المبيعات، ثم غادر الأبحاث والنشر متوجها إلى جامعة القاهرة للحصول على درجة دكتوراه أخرى في تخصص (الإعلان).

عاد الدكتور عبدالعزيز من القاهرة وعمل مستشارا لوزير الشؤون الإسلامية، ثم اضطر إلى مغادرة الوزارة لأسباب غير معروفة، واضطرته ظروف الحياة إلى أن ينتقل للمنطقة الشرقية في محافظة الخبر ليكون نائباً لرئيس إحدى الشركات العقارية، ثم غادر المنطقة الشرقية متوجها إلى منطقة الرياض ليعمل مشرفاً على قسم إدارة العلوم الإدارية والإنسانية بكلية المجتمع في محافظة حريملاء التابعة لجامعة الملك سعود.

استطاع الدكتور عبدالعزيز تركستاني أن يؤسس لنفسه سمعةً طيبة في كل محطة وقف بها، نتيجة تربيته ونشأته على تقبل اختلاف الثقافات والأماكن والأديان، وبالأخص في اليابان، حتى إنه أستطاع أن ينجز من خلال المعهد العربي الإسلامي إنجازات كبيرة جداً لتوطيد العلاقات بين اليابانيين الذين يتبعون دياناتٍ مختلفة وبالأخص "الشنتو" و"البوذية" والمسلمين ككل، حتى حظي بثناء المسؤولين اليابانيين والمشاهير عالمياً، مثل محمد علي كلاي، قبل السفراء العرب والمسلمين.

توفي عبدالستار تركستاني عام 2006 بعد أن حصل على الجنسية السعوديه بعام واحد فقط عام 2005، وبعد أن توفيت زوجته السيده آمنة في عام 2003، وبالتالي أصبح أبناء عبدالستار يحملون جنسية البلد التي عاش والدهم ووالدتهم في أراضيها قرابة الخمسين عاماً. تفرغ عبدالعزيز بعد وفاة والديه لأسرته ولأعمال خاصة بدأ يقوم بها مثل مكتب للاستشارات التسويقية، وفي إحدى زياراته العائلية إلى اليابان عام 2008، جاءه اتصال من السفارة السعودية، وتوقع حينها أنه اتصال عمل لإنجاز أعمال ترجمة، إذ كان يتعاون مع السفارة السعودية في مجال الترجمة، ولكن الصوت الآخر على الهاتف كان صوت السفير السعودي فيصل طراد (شيخ السفراء السعوديين) الذي كان يستعد لمغادرة اليابان أواخر 2008، وحينما أبلغه برغبة القيادة في أن يتولى منصب سفير المملكة في اليابان، سالت دموع الدكتور عبدالعزيز تركستاني (سفير خادم الحرمين الشريفين في اليابان حالياً) حينما تذكر قصةً حصلت له بجوار والدته ووالده في الطفولة.

كان الوالدان يشاهدان التلفزيون ومعهما عبدالعزيز، فظهرت صورة للملك فيصل بن عبدالعزيز أثناء زياراته إلى مسلمي اليابان وكوريا في أثناء افتتاح المعهد العربي الإسلامي في اليابان عام 1971، فسألت السيد آمنة زوجها، من الرجل الواقف بجوار الملك فيصل وما هي مناسبة الزيارة، فأجابها أن المناسبة مرتبطة بافتتاح المعهد الإسلامي والرجل المجاور للملك هو المترجم الياباني، فرفعت يديها إلى السماء وبجوارها ابنها البار عبدالعزيز، وقالت: (يارب، أكرم عبدالعزيز بخدمة دينك ثم عبادك، واجعله من البطانة الصالحة). وهو لله والتاريخ، من خيرة سفراء خادم الحرمين الذين ظهرت معادنهم الأصيلة في الشدائد، وأحداث تسونامي تشهد على ذلك، حيث يسكن السفير السعودي في اليابان في الطابق الحادي عشر في المبنى نفسه الذي فيه مقر السفارة السعودية في الطابق السادس، وظل يعمل يومياً دون توقف إلى درجة أن جعل منزله (غرفة عمليات) لخدمة الطلاب والسياح السعوديين الذين كانوا موجودين في اليابان أثناء أحداث تسونامي، وسخر جهده الكامل والمباشر لخدمة كل فرد سعودي وُجد حينها في اليابان، إلى أن اطمأن على جميع الموجودين وسهل لهم مهمة العودة إلى ديارهم بعد أن ودعهم شخصياً في المطار.

لم يكن تعيين الدكتور عبدالعزيز تركستاني الذي يتحدث أربع لغاتٍ بطلاقة (الإنجليزية، واليابانية، والتركستانية، والعربية) أمراً عادياً، فهو من قلائل السفراء الذين يلتقيهم إمبراطور اليابان شخصياً ويحتفي بهم بشكل خاص، حيث جرت العادة أن يستقبل رئيس الوزراء الياباني السفراء الجدد، باستثناء السفراء المهمين سياسياً لدولة اليابان، حتى إن الإمبراطور أرسل رسالة للملك عبدالله يشيد فيها بالسفير السعودي ويشكره على اختياره لسفير يتحدث اليابانية بطلاقه وهو ما يشجع على توطيد العلاقات بين البلدين.


 السفير السعودي في اليابان (الدكتور عبد العزيز تركستاني)